
خلال الرواية وبعد الفراغ من قراءتها حال صدورها قبل عام تقريبا … اعترف انني كنت اشعر بأنني أغوص في الوحل من أخمص قدمي وحتى قمة رأسي ,احتجت لأيام للهرب من شخوص الرواية ,بدءا من طارق وانتهاء بالسيد ,مرورا بشخصيات معلولة ومشوهة ,حتى حالات الحب كانت تقبع تحت وطء العور والدونية ,خليط مصهور شكل بناء الرواية ,والمكان كان هو البطل بدءا من حارة (الحفرة) التي عزلها بناء القصر عن مصدر قوتها ,ثم عالم القصر بثراءة حيث وجه البؤس الآخر.هذا ليس كل شيء,فالرواية مبدعة في جعل المتلقي يعيش تجربة لا يرغب في عيشها في الواقع . هناكحكاية يرويها الكاتب الإسباني لويس لانديرو اذ يقول : “أذكر حين كنت في الرابعة أو الخامسة من عمري طلب مني والدي أن أغلق عيني، وبعد أن فعلت، وضع في يدي عصفوراً… فجأة شعرت بنبض الحياة، بتدفقها بين أصابعي.
شخصياً هذا ما أريد أن يكون عليه الكتاب أو القصيدة أو الفيلم السينمائي أو المقطوعة الموسيقية … أريدها كذلك العصفور تشعرني بنبضها، نبض الحياة وصراعه” ا.
إن فن الرواية هو الشعور بأن القلب ما زال حياً، والكاتب هو الرجل الذي يكتب بالدم أكثر مما يكتب بالفكر.أورد هنا أيضا مقالة لجارسيا ماركيزبعد توقفه عن كتابة الرواية حيث قال ما معناه “استطيع بخبرتي الطويلة ان اكتب لكم رواية جديدة لكنكم لن تجدوا قلبي فيها ” . وترمي بشرر لكاتبها عبده خال كتبت نابضة مفعمة رغم كل ذلك الاشمئزاز الموصل إلى حد الغثيان.لكن هذا هو الحال فلن نتوقع من المكان والشخوص والمحور أن يزرعوا في داخلنا أحاسيس أخرى غير تلك الرغبة العارمة في التقيؤ .وإذا ما وصلنا إلى تلك المرحلة فهي شهادة لحياة الرواية ونبضها لدرجة تصديق القارئ انه يحيا ضمن عوالمها المختلفة .
من العتبة الأولى تخلق حالة التوتر,”خسئت روحي فانزلقت للإجرام بخطى واثقة ” , هكذا يبدأ الراوي طارق فاضل سرد الحكاية , حكاية الانزلاق في الوحل ,من حارة الحفرة . “حي اختنق بالناس,وضمرت سبل الرزق فبعد أن كف الصيادون عن مزاولة الصيد , وماتت المهن الحرفية البسيطة ,تفرغ الناس لمتابعة الأعمال التي تأكل أجسادهم وتدر عليهم المال القليل” .”حي يفيق قبل اختراق أشعة الشمس لنوافذ منازلة المتجاورة على تجشؤ البحر من فائض تخمته ” .حي منحه الراوي أكثر من تسمية ,الحفرة أو الملاحة أو قاع جهنم أو النار وكلها كما يقول مسميات للعذاب .
وبين بناء القصر على أطراف الحارة ومن ثم عزلها تنسج الرواية عالمها حيث تقاطع الرغبات فهناك الثري خلف بوابة القصر حيث رغبات لا تنتهي وهناك الحاجة والعوز وحياة البؤس عبر شخوص الحارة وما يمكن أن تقدمه لسيد القصر عبر انتقاء أراذلهم وتسخيرهم تسخير الخدم للسادة ,في البدء يكون الحلم بدخول الجنة(القصر) ,لكن الزمن كفيل- بعد ذلك- بان ينثر الحقيقة جلية وغير ملتبسة فالأحلام بالنسبة لأولئك الذين طحنهم الفقر لا تلبث أن ترتد إلى كوابيس ,والذات الإنسانية متردية إذا ما انفلت زمام الإمساك بها ,كالفرس الجموح بغير لجام ,لكن لو كان الفقر رجلا لقتلته , هذا حال المعوزين ,وهناك في الضفة الأخرى ذات مسعورة وجائعة.هنا يحدث الانزلاق ,
الرغبة دائماً تطلب المزيد عما حصلت عليه وكلما أشبع الإنسان رغبة أطلت عشرات الرغبات التي تطلب الإشباع والتحقق, من هنا نجد أن الرغبة لا نهاية لها, ومن المتعذر أن لم يكن من المستحيل إشباعها. إنها كالصدقة نقدمها للفقير تشبعه اليوم ليواجه البؤس والفقر غداً. لأن تحقيق الرغبات لا يستتبع القناعة. إن السعي وراء لهاث الرغبة يؤدي في الغالب إلى الشقاء بدلاً من السعادة لأن حاجاتها كثيراً ما تتعارض مع مصلحة صاحبها إلى أن ينتهي الأمر بالقضاء على هذه المصلحة , ودائماً الرغبة المشبعة تولد رغبة جديدة تريد الإشباع وهكذا إلى ما لا نهاية, قرأت لأحد الفلاسفة ما معناه أن الإرادة جائعة دائماً.
قال أرسطو: إن الرجل الحكيم لا يبحث عن اللذة, ولكن عن التحرر من الألم والهم .
لكن هل سقط محور الرواية هنا في ( ترمي بشرر) ,طارق فاضل هو الراوي وعبره نلج عالم وشخوص الرواية ,قد تكون الإجابة بنعم عند تجزيء العمل بعدم قراءته كاملا أو حين إصدار الأحكام المسبقة عبر كتابات غير منصفة ,لكنني كمتلقي وجدت رسالة غير مباشرة ,رسالة تشعر بها بعد الفراغ من صفحات الرواية ,انه الأثر الذي تتركه ,فترمي بشرر تعري الرذيلة في أبشع صورها ,لا تكتفي بقمة جبل الجليد بل تذهب بعيدا إلى العمق ,فعندما تنهشك حلكة السواد وتجد روحك تبحث لنفسها عن مخرج من بين ركام التردي والبؤس ,حينها تدرك أن ترمي بشرر تقول لك هذا حال الفريقين ,فريق القصر وفريق الحارة ,تقول لك في غير إعلان إن الفطرة السوية هي التي تحلق وترتقي وتسمو ,تقول لك إن الأشياء تعرف بأضدادها , بعد فراغك من آخر صفحاتها ,تحسس قلبك وقلب ناظريك في شخوص الرواية واستمع لذلك الهسيس الذي تبثه روحك معلنة أنها تحمد الله أنها لم تكن من إحدى الطائفتين !, ترمي بشرر ستسقط في محورها عندما نفكر بأننا مجتمع مثالي لا تشوبه شائبة ,عندما نرى العور فنغمض أعيننا ونتغنى بجمال الرموش .
لكن من هي التي ترمي بشرر ,العنوان جملة فعلية مؤنثة ,عنوان مستوحى من اية كريمة تصف حال جهنم (انها ترمي بشرركالقصر) سورة المرسلات (31) ,وترمي جاء بصورة فعل مضارع ما يدل على القوة والاستمرار كما يصور الحركة الدائمة للرمي ,هل هي الذات الانسانية المتحولة عن فطرتها لتتحول الى نار تاكل نفسها وتحرق ما حولها ,بالنسبة لي هذا ما تقوله الرواية خلال تحرك شخوصها سواء تلك الهاربة من مصيرها الاقتصادي والاجتماعي او الباحثة عن ملذات لا تنتهي .
ترمي بشرر هي رواية تمزيق الأقنعة ,رواية تعرية الحقيقة لتظهر بيضاء ,رواية تحتاج الى قراءات عدة لمجتمع رغم كل ما يحتويه من مثاليات ظاهرة إلا انه بحاجة إلى وقفة فاحصة لاحوالة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية عبر عدسات مقربة ومبعدة كتلك التي استخدمتها الرواية .
سعيدة بهذه النبذة عنها هنا .. كنت أبحث عن دافع يجعلني أبدأ الإنهماك بها فكان أنت ()